علي الشرفاء الحمادي يكتب في مجلة بوصلة العرب: الحقوق لا تحميها الوعود.. ومياه النيل ليست ملكًا لإثيوبيا

أغسطس 18, 2026 - 17:18
 0  3
علي الشرفاء الحمادي يكتب في مجلة بوصلة العرب: الحقوق لا تحميها الوعود.. ومياه النيل ليست ملكًا لإثيوبيا
علي محمد الشرفاء يكتب:

الحقوق لا تحميها الوعود.. ومياه النيل ليست ملكًا لإثيوبيا

الماء هو أصل الحياة وعماد وجود الشعوب واستمرار العمران؛ جعله الله حقًا مشاعًا للبشرية جمعاء، فلا يملك إنسانٌ قدرة خَلق قطرةٍ منه، ولا يحق لدولةٍ أن تحتكر مجرى نهرٍ أو تتحكم في تدفقه لِتحرم الآخرين من هبةٍ إلهية. فالأنهار لم تشيدها الحكومات ولم ترسم مساراتها الدول، بل سخرها الخالق لتجري بين الأراضين واهبةً الحياة للإنسان والحيوان والنبات. ومن هذا المنظر، فإن إدارة الموارد المائية يجب أن تتأسس على العدالة والتعاون الشريف، بعيدًا عن نزعات السيطرة والتهديد وسياسات فرض الأمر الواقع.

إن ما يشهده ملف مياه النيل اليوم يبعث على القلق البالغ؛ إذ تجاوزت القضية حدود الخلاف حول بناء سدٍ بعينه إلى محاولة أرسي واقع جغرافيا سياسية جديد، يُخضع تدفق المياه لدول المصب لإرادة منفردة من دولة المنبع. وهو ما تجلى بوضوح في تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي "هابتامو إيتيفا"، التي أعلن فيها أن جريان النيل باتجاه دول المصب سيكون تحت سيطرة بلاده الكاملة، بالتزامن مع الإعلان عن النية لبناء سدود إضافية تحت شعارات "الاستخدام العادل والتنمية المستدامة".

وهنا تكمن الخطورة؛ فالأمر يتصل اتصالاً مباشرًا بحياة شعوب بأكملها، وليس مجرد مشروع تنموي أو نزاع تقني يُحل بالمسكنات التفاوضية. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى على سلب حقوق الآخرين، ولا تُشيَّد أمجاد دولة على حساب إبادة شعب آخر. فنهر النيل لم يكن يوما ملكًا خاصًا لدولة بعينها؛ فقد أرق مجراه قبل ظهور الحدود السياسية بنشأة الدول، وقامت على ضفافه حضارات وشعوب منذ آلاف السنين. وبالتالي، فإن أي مسعى لاحتكار مياهه أو ارتهان تدفقها يفتح أبوابًا صريحة للنزاعات، ويُحول المورد الذي خلقه الله للحياة إلى أداة للضغط والابتزاز.

فالحقوق لا تصونها الوعود الشفهية، والأمن المائي لأي أمة لا يجوز أن يظل رهينة لتقلبات الإرادات الخارجية. وما يجري اليوم يعيد التذكير بضرورة مغادرة مربع "حسن النية" المفرط في التعاطي مع قضية المصير المائي، ويؤكد أن الماء قسمة عادلة بين البشر وليس احتكارًا لفئة دون غيرها.

إن المواقف المتعنتة التي تتخذها أديس أبابا، وتجاهلها لحقيقة أن الماء عطاء رباني وليس منتجًا من صنع البشر، تخفي خلفها أبعادًا ومخططات شاقة. لقد كُوفئ رئيس وزرائها في البداية بمنحه جائزة نوبل للسلام كعربون للمضي في تنفيذ أجندات تستهدف الشعب المصري؛ إذ إن هدف تعطيش مصر ليس وليد اللحظة، بل هو مقصد تاريخي تسعى إليه قوى شريرة وصف الله تعالى طبيعة نقضها للعهود في محكم التنزيل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 93].

ولو تتبعنا النصوص والمدونات التاريخية، للُمِس بوضوح مدى قدم هذه التطلعات؛ ففي سفر أشعياء (الإصحاح 19) تظهر أماني بني إسرائيل القديمة في جفاف نهر النيل كَرغبة دفينة يعود تاريخها لأكثر من ألفي عام. وهو ما أكده أيضًا الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل في حواره الشهير مع الإعلامية لميس الحديدي، حين كشف عن مخططات تاريخية تحاول تحويل مجرى النيل لمنع وصوله إلى مصر؛ وهو هدف شُرِع فيه منذ القرن الخامس عشر عقب هزيمة الصليبيين، عندما كلف البابا ألكسندر السادس الرحالة البرتغالي فاسكو دا جاما بالتواصل مع ملك إثيوبيا لبحث إمكانية تحويل مسار النيل للقضاء على مصر واقتطاع شريان حياتها.

إن ما يقوم به آبي أحمد اليوم ليس سوى استكمالٍ لأجندة قديمة؛ حيث استمر في المماطلة والتسويف والتلاعب بحسن النية المصري على مدى سنوات، وصولاً إلى مراحله التنفيذية لقطع جريان النيل عن مصر. ولا ينبغي الرهان على ما يُسمى بـ "المجتمع الدولي" لنصرة الحق؛ فهذا المجتمع وقف موقف الشاهد والمستمتع أمام عمليات التدمير وسفك الدماء التي طالت العراق وسوريا واليمن والصومال، مثلما يقف اليوم عاجزًا أمام التجاوزات الصارخة في ليبيا وإرسال المرتزقة والسلاح على مرأى ومسمع من العالم.

كما لا يجوز الارتهان للوعود الكاذبة أو الانخداع بالمرتكزات القائمة على الهيمنة؛ إذ تسعى قوى النفوذ الغربية والصهيونية لاستنزاف الثروات النفطية والغازية للوطن العربي وإعادة استعماره بصور جديدة، مُستغلة حالة التشتت العربي للتجهيز لمخططات عقائدية وجيوسياسية تدميرية. مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10].

إن نظرةً واحدة على كيفية تعاطي مجلس الأمن والمجتمع الدولي مع اختراق القرارات الدولية والاعتداء على مقدرات الشعوب تنبئ بحجم المؤامرة الكبرى التي أسقطت بغداد ودمشق، وتتمدد اليوم لتشمل أجزاءً أخرى من الوطن العربي.

فماذا ينتظر العرب؟ وأين هي اتفاقية الدفاع العربي المشترك؟ وأين وحدة المصير أمام هذه الأخطار المحدقة بكل دولة على حدة؟ هل يستسلم الجميع لعدو لا يفي بعهد ولا يراعي إيلًا ولا ذمة؟

إن الحقيقة الجلية التي يجب أن تدركها مصر والأمة العربية بأسرها هي أن المجتمع الدولي لا يتحرك بدوافع العدالة، بل توجهه مصالح قوى الشر والهيمنة؛ ولذا جاء التحذير الإلهي الخالد ليحسم الأمر: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113].

الملفات

ما هو رد فعلك؟

يحب يحب 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0